فوزي آل سيف
94
معارف قرآنية
وقد يكون كريمًا بمعنى السخاء والبذل واليد المفتوحة، إذن قد يكون ناظرًا إلى خاصية في ذات الشيء فتجعله صاحب قيمة عظمى، وقد تكون ناظرة إلى وجود صفات أخلاقية مثل كرامة في النفس، أو كرم في العطاء، والبذل. (كريم ) كلمة تجمع كل هذه المعاني ، وقد استعملها الله سبحانه لوصف القرآن الكريم، فقال: (إنّه لقرآن كريم) أي إنّ ذات هذا القرآن فيه صفة تجعله عالية القيمة، قد يكون لأجل أنّه كلام الله عز وجل ، و قد يكون لأجل أنّه يهدي للتي هي أقوم، وهذه الصفة الذاتية له تجعله صاحب قيمة عظيمة جدا. وأيضاً هو كريم بمعنى البذل والسخاء نظرًا لأنّ عطاء القرآن الكريم لمن يقرؤه لا حدود له ، حيث أنّ وجود التفاسير التي وصل بعضها إلى سبعين مجلدا دليل على عطاء القرآن الكريم ، حيث أنّه يفتح للمتأمل الآفاق ويفتح أمامه أبواب خزائنه، وهذا العطاء السخي النافع للناس ليس لزمن دون زمن ، وانما مستمر ومتجاوز للأزمنة مثلما ورد في الحديث الشريف (عن الرضا، عن أبيه عليهما السلام إن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة ؟ فقال: لان الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة ما بال هذا القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة )[161]. كلمة ( كريم ) وصف الله بها نفسه أيضًا ، فهي من صفاته الحسنى ولا شك ولا ريب أنّ الذات الإلهية هي صاحبة القيمة الأعلى، الله سبحانه وتعالى هو رب الكائنات، وأي سموٍ هو أسمى من هذا ! ، وأيضًا بمعنى العطاء والسخاء ( يا من لا تزيده كثرة العطاء إلا جودًا وكرمًا ) . وأيضًا وصف نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الصفة إذ قال (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ)[162] ، هنا كلمة كريم ليست عائدة على القول، مع أنّ القول وهو القرآن هو قول كريم، وإنما كلمة كريم هنا عائدة على الرسول لأنهّا لو كانت عائدة على القول لكان حقها أن ترفع، حيث أنها ستكون صفة للمرفوع، ولكنها صفة للرسول فكانت مجرورة (إنّه لقول رسول كريم)، فكريم هنا صفة للرسول، وليست صفة للقول. النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله ) أيضًا يجمع كرامة الذات وعلوها، شخصيته شخصية مكرّمة و معظمة و كريمة ذات كرامة، وأيضًا ذات كرم وسخاء وعطاء كما تشير لذلك سيرته وأخلاقه . وقد وردت هذه الصفة على لسان ملكة سبأ عندما قالت ( إنّه ألقي إليّ كتاب كريم) لكنّ هذه الصفة من ملكة سبأ لا من الله سبحانه وتعالى وإن كان الكتاب له كرامة إذ أنّه من نبي الله سليمان عليه السلام ، ونلاحظ في كلا الآيتين أنّهما بدأت بحرف التأكيد ( إنّه ) وهو يأتي في الجملة بهدف التأكيد ، إضافة لوجود اللام في قوله ( لقرآن ) ويستطيع أن يقول ( إنّه قرآن ) لكن اللام تأتي لزيادة التأكيد.
--> 161 ) بحار الأنوار 17/ 213 عن عيون أخبار الرضا ، و( غضاضة ) يعني نضارة وطراوة . 162 ) الحاقة 40ـ 41